نصر حامد أبو زيد
156
الاتجاه العقلي في التفسير
قول القاضي عبد الجبار « أنه أمرهم بالطاعة ففسقوا بالخروج عن ذلك » 70 وهو تأويل آخر أخذوه عن الفراء كما سنوضح بعد قليل . فإذا انتقلنا إلى الزمخشري وجدناه يرفض هذا التأويل الثاني على أساس « أن حذف ما لا دليل عليه غير جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه ، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض » وعلى هذا يبني الزمخشري تأويله للآية على المجاز « والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا ، ووجه المجاز أنه صبّ عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب ايلاء النعمة فيه ، وإنما خوّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الاحسان والبر » 71 . ومما يرتبط بهذه القضية - العدل - أن يدرك أبو عبيدة أن مجاز « الأمر في الآية فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا مجازه : الوعيد » 72 . * * * تعرّض الفراء - معاصر أبي عبيدة - لكثير من التأويلات التي تناولها المعتزلة فيما بعد ، وهي تأويلات تتفق في مجملها مع تأويلاتهم وإن أضيف لها بعض التفاصيل الكلامية والفلسفية بعد ذلك ، بل إن الفراء في تأويلاته يردّ على من يسميهم « أهل القدر » ويقصد بهم خصوم المعتزلة ، وكأنه - شأن كثير من المعتزلة - يردّ لهم الاسم الذي أطلقوه على المعتزلة . وعلاقة الفراء بالمعتزلة وببلاط المأمون الخليفة المعتزلي واضحة يشير إليها الدارسون . ويظن الدكتور شوقي ضيف أن الفراء « اختلف . . . إلى حلقات المعتزلة التي كانت مهوى قلوب الشباب والمثقفين والأدباء في البصرة ، وأنه تلقى حينئذ مبادئ الاعتزال ، وظل مؤمنا بها حفيا ، مما جعل مترجموه يقولون إنه كان متكلما يميل إلى الاعتزال ، وآثار اعتزاله واضحة في كتابه معاني القرآن إذ نراه يتوقف مرارا للرد على الجبرية » 73 ويؤكّد الدكتور محمد زغلول سلام هذه الحقيقة بقوله « وكان لميل الفراء إلى الكلام والأخذ بآراء المعتزلة أثر في معاني القرآن » 74 . والآيات التي يتوقف أمامها الفراء ليؤولها من وجهة نظر اعتزالية كثيرة ، وتغطي كثيرا من جوانب الفكر الاعتزالي . والكتاب يعدّ بهذا الشكل أول مؤلف اعتزالي يصلنا . ومن الغريب أن شخصية النحوي تكاد تختفي أمام هذه الآيات التي تمسّ الفكر الاعتزالي ، أو يبدو أنها تتناقض مع مسلماته . وعلى هذا فسأتناول هذه الآيات بشيء من التفصيل ، لا تبعا لترتيبها ، بل تبعا لقضايا الفكر الاعتزالي ،